السيد مصطفى الخميني
293
تحريرات في الأصول
تحقيق وإفاضة إذا كان جريان البراءات الثلاث ، ممنوعا في موارد الشبهات المهتم بها ، فلمنع جريانها في الشبهات البدوية وجه ، لاحتمال كونها من الأمور المهتم بها الخارجة لبا عن مصب القاعدة العقلية ، وإذن فيما نحن فيه فمنع جريان البراءة العقلية والعقلائية واضح ، لأن العقل يدرك لزوم الأمن من العقاب ، وهو لا يحصل إلا في موارد القطع بعدم كون الشبهة مما يهتم بها . هذا بالنسبة إلى البراءتين : العقلية ، والعقلائية . وأما البراءة الشرعية ، فهي وان كانت لفظية ، فتجري في موارد الشك ، لأن الخارج لبا عن إطلاقها ، لا يضر بصحة التمسك به عند الشك والشبهة ، ولكن قد عرفت منا : أن البراءة الشرعية بما هي هي ، لا أساس لها إلا بالنسبة إلى مناشئ العقاب ، كالأحكام التكليفية ، أو الوضعية ( 1 ) ، وأما بالنسبة إلى العقاب ولزوم القطع بالأمن ، فلا معنى لجريانها ، لأن جعل حجية الخبر الواحد والظواهر ، لا ينافي تخلفها عن الواقع ، فلا يحصل القطع بالأمن من العقاب بالدليل اللفظي ، ما دام لم يرجع إلى العقل المدرك لقبح العقاب وامتناعه مع قيام الدليل على البراءة لفظا ، فالبراءة اللفظية بالنسبة إلى التأمين من العقاب ، لا أصل لها ما دام لم تنضم إليها البراءة الشرعية ، ونتيجة هذه الشبهة هو الاحتياط على الإطلاق ، ولا سيما فيما نحن فيه . ولو أمكن دفع الشبهة في مطلق الشبهات البدوية ، نظرا إلى كشف عدم الأهمية بعدم وصول البيان من الشرع ، وعدم اتضاحها ، ضرورة أنها لو كانت مما يهتم بها لكان يصل إلينا ذلك الحكم ، لا يمكن ذلك فيما نحن فيه بعد تراكم هذه الأمور الموجهة للاهتمام الاحتمالي ، فلو دار المحذوران بين الحرمة التي هي من الكبائر لو كانت واقعية ، وبين الوجوب الذي يكون تركه من الصغائر إذا أصاب ،
--> 1 - تقدم في الصفحة 59 - 60 .